قد لا تظهر آثار الالتهاب المزمن في صورة أعراض واضحة في البداية، لكنه قد يرتبط بتغيرات تدريجية في بنية القلب ووظائفه، حتى لدى أشخاص لم يسبق تشخيصهم بأمراض قلبية. وتشير أبحاث حديثة إلى أن استمرار نشاط الجهاز المناعي لفترات طويلة قد يرتبط بزيادة سُمك جدران القلب، وتغير حجم حجراته، وتراجع قدرته على الامتلاء بالدم، وهي تغيرات قد تؤثر في صحة القلب على المدى البعيد.
ووفقًا لتقرير نشره موقع «SciTechDaily»، كشفت دراسة واسعة النطاق شملت نحو 480 ألف شخص بالغ في المملكة المتحدة عن ارتباط بين ارتفاع مستويات الالتهاب في الجسم وتغيرات صامتة في بنية القلب، إلى جانب زيادة احتمالات الإصابة بأحداث قلبية ووعائية خطيرة، مثل النوبات القلبية والسكتات الدماغية.
اقرأ أيضًا: 4 فوائد لتقليل الكافيين تظهر على جسمك.. أبرزها ضبط ضغط الدم
كيف يغير الالتهاب المزمن بنية القلب؟
يؤدي الالتهاب دورًا طبيعيًا ومهمًا في حماية الجسم، إذ يساعد الجهاز المناعي على مواجهة العدوى والتعامل مع الإصابات. لكن المشكلة تظهر عندما يستمر نشاط الالتهاب بمستويات منخفضة لفترات طويلة، دون وجود عدوى أو إصابة تستدعي هذه الاستجابة.
وفي هذه الحالة، قد يرتبط الالتهاب المزمن بتغيرات تؤثر في أنسجة وأعضاء مختلفة، من بينها القلب. وأظهرت الدراسة أن الأشخاص الذين ترتفع لديهم مؤشرات الالتهاب قد يعانون زيادة سُمك جدران القلب، وصغر حجم حجراته، وانخفاض قدرته على الامتلاء بالدم.
وتكتسب هذه النتائج أهميتها من أن التغيرات قد تحدث تدريجيًا دون ظهور علامات تحذيرية واضحة، ما يعني أن بعض التأثيرات المرتبطة بالالتهاب يمكن أن تتطور قبل اكتشاف مشكلة قلبية لدى الشخص.
ارتفاع الالتهاب يرتبط بزيادة مخاطر النوبات القلبية والسكتات الدماغية
لم تقتصر نتائج الدراسة على رصد التغيرات التشريحية للقلب، بل امتدت إلى تقييم العلاقة بين مستويات الالتهاب واحتمالات الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية.
ووجد الباحثون أن الأشخاص الذين سجلوا أعلى مستويات الالتهاب، ضمن أعلى 20% من المشاركين، كانت لديهم مخاطر أعلى بنسبة 43% للإصابة بالنوبات القلبية والسكتات الدماغية مقارنة بمن سجلوا أدنى مستويات الالتهاب، ضمن أقل 20%.
لكن هذه النتيجة تعبر عن ارتباط إحصائي بين ارتفاع مؤشر الالتهاب وزيادة المخاطر، ولا تثبت بمفردها أن الالتهاب هو السبب المباشر لكل هذه الحالات. كما أن تقدير المخاطر الفردية يتطلب النظر إلى عوامل أخرى، مثل العمر والتاريخ الصحي والعادات اليومية والعوامل الوراثية.
كيف قاس الباحثون الالتهاب داخل الجسم؟
اعتمدت الدراسة، التي قادها باحثون من مختبر العلوم الطبية التابع لمجلس البحوث الطبية وكلية إمبريال كوليدج لندن، على بيانات من البنك الحيوي البريطاني، شملت فحوص التصوير القلبي والمعلومات الوراثية وقياسات الدم.
واستخدم الفريق مؤشرًا يُعرف باسم «GlycA»، وهو قياس في الدم يرتبط بالنشاط الالتهابي المستمر، ويساعد على تقييم مستويات الالتهاب المزمن لدى المشاركين.
وساعد الجمع بين هذه القياسات وتصوير القلب على دراسة العلاقة بين الالتهاب والتغيرات التي قد تطرأ على تركيب القلب، بدلًا من الاعتماد على تشخيص الأمراض القلبية الظاهرة فقط.
وأوضح البروفيسور ديكلان أوريجان، أحد الباحثين المشاركين في الدراسة من إمبريال كوليدج لندن، أن النتائج تبرز احتمال وجود أشخاص يعيشون مع مستويات مرتفعة من الالتهاب دون إدراك ذلك، بينما قد ترتبط هذه الحالة بتغيرات تدريجية في القلب.
ما علاقة الضغوط النفسية والظروف الاجتماعية بالالتهاب؟
رصد الباحثون ارتباطًا بين ارتفاع مؤشرات الالتهاب وعدد من العوامل المرتبطة بالحياة اليومية والصحة العامة، من بينها انخفاض المستوى الاقتصادي والاجتماعي، وتراجع الصحة النفسية، والتدخين، وزيادة الدهون في الجسم.
وتشير هذه النتائج إلى أن صحة القلب لا تتأثر بعامل واحد فقط، بل قد تتداخل الظروف المعيشية والعادات اليومية والاستعدادات الوراثية في تشكيل المخاطر الصحية.
فعلى سبيل المثال، قد ترتبط الضغوط النفسية المستمرة بتغيرات في وظائف الجسم، كما يرتبط التدخين بزيادة التعرض للمواد الضارة التي تؤثر في الأوعية الدموية وتدعم حدوث الالتهاب.
وأظهرت الدراسة أيضًا وجود تأثير للعوامل الوراثية، إذ قد يختلف الأشخاص في درجة استعدادهم للتأثر بالالتهاب المرتبط بنمط الحياة. ومع ذلك، لا يعني وجود استعداد وراثي أن الإصابة بأمراض القلب أمر حتمي، إذ تظل عوامل الوقاية وتعديل السلوكيات الصحية ذات أهمية.
بروتينات التهابية قد تصبح هدفًا للعلاجات المستقبلية
حدد الباحثون عددًا من البروتينات المرتبطة بمسارات الالتهاب، خاصة البروتينات التابعة لعائلتي «إنترلوكين-1» و«عامل نخر الورم» (TNF)، باعتبارها عوامل محتملة تسهم في التغيرات التي تصيب بنية القلب.
وتكتسب هذه النتائج أهمية إضافية لأن بعض هذه البروتينات يجري استهدافها بالفعل في أبحاث وتجارب سريرية لأدوية مضادة للالتهاب.
وقد تفتح هذه المسارات المجال أمام تطوير علاجات مستقبلية تستهدف عمليات التهابية محددة، بهدف تقليل الأضرار التي قد تصيب القلب قبل ظهور الأعراض، لكن هذا الاحتمال لا يزال بحاجة إلى مزيد من الدراسات لإثبات مدى فاعليته في الوقاية من أمراض القلب وتقليل حدوث النوبات القلبية والسكتات الدماغية.
وأكد البروفيسور برايان ويليامز، المسئول العلمي والطبي في مؤسسة القلب البريطانية، أن الدراسة تقدم معلومات مهمة عن تداخل العوامل الوراثية ونمط الحياة والظروف الاجتماعية في زيادة الالتهاب والتأثير في صحة القلب.
هل يمكن اكتشاف الضرر قبل ظهور الأعراض؟
تشير نتائج الدراسة إلى إمكانية الاستفادة مستقبلًا من الجمع بين فحوص الدم التي تقيس مؤشرات الالتهاب وتقييم الاستعداد الوراثي، للمساعدة في تحديد الأشخاص الأكثر عرضة للتغيرات القلبية المرتبطة بالالتهاب.
لكن استخدام هذه المؤشرات على نطاق واسع في الفحوص الوقائية يحتاج إلى مزيد من الدراسات، لتحديد مدى دقتها وقدرتها على التنبؤ بالمخاطر، ومعرفة ما إذا كان التدخل المبكر بناءً عليها يقلل بالفعل من تلف القلب والأحداث القلبية الوعائية.
خطوات تساعد على تقليل عوامل الالتهاب وحماية القلب
رغم أن الدراسة لا تقدم علاجًا مباشرًا للالتهاب المزمن، فإن نتائجها تعزز أهمية الاهتمام بالعوامل الصحية التي يمكن التحكم فيها، ومن أبرزها:
- الابتعاد عن التدخين: يساعد تجنب التدخين والتعرض لدخانه على حماية الأوعية الدموية وتقليل عوامل الخطر المرتبطة بأمراض القلب.
- اتباع نظام غذائي متوازن: يساهم تناول الخضراوات والفواكه والحبوب الكاملة ومصادر البروتين المناسبة في دعم صحة القلب، مع الحد من الإفراط في الأطعمة شديدة المعالجة.
- ممارسة النشاط البدني بانتظام: يساعد النشاط البدني الملائم للحالة الصحية على دعم وظائف القلب والأوعية الدموية وتحسين الصحة العامة.
- الاهتمام بالصحة النفسية: التعامل مع الضغوط المستمرة وطلب الدعم المتخصص عند الحاجة جزء مهم من العناية بالصحة العامة.
- متابعة عوامل الخطر القلبية: يساعد قياس ضغط الدم ومتابعة مستويات السكر والكوليسترول، وفقًا لتوصيات الطبيب، على اكتشاف المشكلات الصحية والتعامل معها مبكرًا.
وتظل هذه الإجراءات جزءًا من الوقاية العامة، ولا تعني أن الالتهاب المزمن يمكن تشخيصه أو علاجه من خلال تغيير نمط الحياة وحده. كما لا ينبغي تناول أدوية مضادة للالتهاب بهدف الوقاية من أمراض القلب دون تقييم طبي.