قبل سنوات أطلق المهرجان القومي للسينما الذي كان ينظمه صندوق التنمية الثقافية تجربة طموحة لكسر مركزية العروض السينمائية والخروج بعروض الأفلام إلى المحافظات، كنت إحدى المشاركات في هذا الحدث حين رافقت أحد البرنامج على مدار أسبوع كامل داخل مركز ثقافة بورسعيد.
كانت الفكرة براقة لكن الواقع داخل القاعة كان يروي حكاية أخرى، مقاعد خاوية، وصمت يطبق على المكان، وغياب شبه تام لجمهور المدينة الذي جئنا لنبحث عنه، لم تكن الأزمة حينها في جودة الأعمال، بل في النظرة الضيقة التي كانت تدار بها المراكز الثقافة.
اقرأ أيضًا: مهرجان بورسعيد السينمائى الدولى يطلق مبادرة لدعم الصناعات المحلية
اليوم نجد المشهد تغير تماما مع انطلاق مهرجان بورسعيد الذي أسس في دورته الأولى العام الماضي علاقة متشابكة بين الجمهور الإقليمي خارج العاصمة وبين صناع السينما من كل مكان، هذا المشهد الحيوي الذي قدمه المهرجان العام الماضي.
أثبت أن جمهور المحافظات لم ينصرف عن الفن كما نعتقد ولا هو في الحقيقة طارد للثقافة لكنه يحتاج إلى من يستطيع جذب انتباهه فهو جمهور متعطش لمن يحترم شغفه، ويقدم له محتوى رفيعاً وتنظيماً يليق بذائقته.
ما يمثله مهرجان بورسعيد اليوم ليس محاولة فردية لكسر احتكار عروض السينما العالمية خارج العاصمة، بل هو حلقة في سياق تجارب سابقة أوسع تؤكد أن جغرافية توزيع الثقافة في مصر تعيد رسم نفسها بنفسها، المؤسسات الرسمية في الغالب تتعامل مع الانشطة الثقافية بوصفها عملا إداريا لا كمشروع تنموي فكري، يحكمه الشغف وتقدير ذائقة الجمهور.
أما صناعة المهرجانات المستقلة تصدر من إيمان حقيقي بأن الثقافة والسينما هما حق أساسي للجميع على اختلاف ثقافتهم، وأن الجمهور الإقليمي ليس متلقي سلبي بل شريكا متفاعل لكل انواع الفنون، لذلك نجحت هذه المهرجانات في كسر الجدار بين صانع الفيلم والمشاهد الإقليمي، واستقطاب جمهور من أهل المدينة يملأ القاعات، مما يعيد للسينما وظيفتها كفعل فني شعبي حي.
على امتداد المحافظات المصرية، صدرت عدة مهرجانات منذ سنوات، تكمن أهميتها أنها مهرجانات نوعية تهتم بتيمة محددة، خلال هذا الأسبوع انطلقت الدورة الأولى من مهرجان المنصورة لأفلام الأطفال، ومنذ سنوات قليلة دشن مهرجان الفيوم لأفلام البيئة الذي يربط السينما بقضايا الأرض والطبيعة، وكذلك مهرجان الأقصر للسينما الأفريقية الذي يعتبر اليوم أحد أهم المهرجانات النوعية في مصر، أيضا مهرجان أسوان لسينما المرأة، الذي يهتم بقضايا المرأة، بينما يعود العام المقبل كل من مهرجان الإسماعيلية، وهو المهرجان الأقدم في الشرق الأوسط الذي يضم أهم الأفلام الوثائقية والقصيرة والتحريك التي أنتجت خلال العام، وينتظر أيضا عودة دورة جديدة من مهرجان الإسكندرية لدول البحر المتوسط في شكله الجديد في سبتمبر القادم.
ولا يمكن إغفال أن هذا الاتساع المتلاحق للمهرجانات الإقليمية حديثة النشأة في مصر، هي ناتج ايجابي لتجربة مهرجان الإسكندرية للفيلم القصير، الذي تحول خلال أكثر من عشر سنوات إلى نموذج ملهم وداعم لغيره من المبادرات التي أثبتت أن الأقاليم قادرة على صناعة مشهد سينمائي خاص بها.
وحين نتحدث عن الهوية، تصبح ضرورة تحديد الهوية لمهرجان بورسعيد مطلباً لا يحتمل التأجيل، فلا يكفي إطلاق مسمى فضفاض مثل مهرجان بورسعيد السينمائي فقط، بل يجب أن يوضح التوجه ليكون المهرجان عنواناً حقيقياً ومحدداً لسينما بعينها، فهناك مهرجانات كبرى تعقد بصفة دولية، مثل مهرجان القاهرة السينمائي الدولي ومهرجان الجونة السينمائي، وهي منصات تختص بالتنافس العالمي واستقطاب أحدث الإنتاجات العالمية والعروض الكبرى، المهرجانات الإقليمية والنوعية تكتسب قيمتها من تخصصها الدقيق وانتمائها لبيئتها المحلية وثيماتها المحددة.
ومع اقتراب انطلاق الدورة الثانية لمهرجان بورسعيد السينمائي في الفترة من 1 حتى 5 ديسمبر المقبل، يقف صناع المهرجان أمام اختبار حقيقي للاستمرارية وتطوير التجربة، وننتظر بشغف برنامجاً سينمائياً أكثر قوة وجذبا، وفعاليات لا تقتصر على قاعات العرض، بل تمتد لتشمل ورش عمل تدريبية ولقاءات تفاعلية يشارك فيها أبناء المحافظة، الرهان اليوم ليس فقط على نجاح التنظيم، بل على تحويل المهرجان إلى مؤسسة ثقافية حية ومستدامة، تليق بمكانة المدينة الباسلة وطموح جمهورها.