يطرح الفيلم التسجيلي المصري «مفيش راجل بيعيط» للمخرج محمد مصطفى، المعروض ضمن فعاليات مهرجان الجونة السينمائي، سؤالا إنسانيا مهما حول مفهوم الرجولة وعلاقة القوة الجسدية بالهشاشة النفسية، من خلال عالم لاعبي كمال الأجسام وحراس الملاهي الليلية، حيث تختبئ خلف العضلات والوجوه الصلبة حكايات عن الخوف والضعف ومحاولات إثبات الذات. وهي فكرة تمتلك في جوهرها مقومات فيلم تسجيلي قوي، لكن المشكلة أن الفكرة الجيدة لا تكفي وحدها لصناعة سينما جيدة، وأن امتلاك موضوع إنساني مهم لا يعني بالضرورة النجاح في معالجته سينمائيا.
أكثر ما لفت انتباهي في الفيلم كان المستوى البصري الجيد الذي قدمه مدير التصوير محمود لطفي، فهناك عناية واضحة بتكوين الكادرات وتوزيع الإضاءة واختيار الزوايا، وقدرة على تقديم عالم بصري يحمل الكثير من التفاصيل. لكن المفارقة أن الكاميرا بدت أكثر نضجا من الحكاية نفسها، وكأن الصورة تعرف جيدا إلى أين تتجه، بينما يظل السرد يبحث عن طريقه. فالتصوير الجميل لا يستطيع وحده إنقاذ فيلم يعاني من ضعف البناء الدرامي وغياب التطور الحقيقي للشخصيات، خاصة عندما تصبح بعض المشاهد مجرد تكرار للفكرة بدلا من أن تكون إضافة إليها.
اقرأ أيضًا: توم كروز يواجه واحدة من أكبر أزماته فى شباك التذاكر بسبب Digger
المشكلة الأكبر بالنسبة لي كانت في إقحام المخرج لنفسه داخل الحكاية، ليس لأن ظهور المخرج أمام الكاميرا خطأ في حد ذاته، فهناك تجارب تسجيلية عظيمة قامت على حضور صانع الفيلم وتفاعله مع شخصياته، ولكن لأن هذا الحضور يجب أن تكون له ضرورة فنية واضحة، وأن يضيف إلى فهمنا للحكاية بدلا من أن ينافس أصحابها على مساحة السرد. وفي «مفيش راجل بيعيط» شعرت أن المخرج يحاول أحيانا أن يجعل من نفسه جزءا أساسيا من الدراما، حتى أصبح حضوره في بعض اللحظات عبئا على الفيلم بدلا من أن يكون إضافة إليه. وكنت أتمنى أن يترك مساحة أكبر لأبطاله الحقيقيين، فهم أصحاب التجارب التي تستحق أن نسمعها، وليس مجرد شخصيات تدور في فلك تساؤلات المخرج.
وهنا تظهر أزمة أخرى تتعلق بصدق الفيلم التسجيلي، فقد شعرت في بعض المشاهد بأن الواقع يتم دفعه نحو مواقف تخدم الفكرة المسبقة للمخرج، بدلا من ترك الشخصيات تكشف عن نفسها بصورة طبيعية. ولا يعني ذلك بالضرورة أن الأحداث مفتعلة، لكنه يخلق إحساسا بالتصنع يفقد الفيلم جزءا من عفويته ومصداقيته. فالسينما التسجيلية ليست مجرد تصوير أشخاص حقيقيين، وإنما بناء علاقة من الثقة بين المشاهد وما يراه على الشاشة، وكلما شعر المشاهد بأن هناك تدخلا زائدا لتوجيه المشاعر أو صناعة المواقف، تراجعت قدرته على الاندماج مع الحكاية.
والمفارقة أن الفيلم يناقش كيف يضطر الرجل إلى تمثيل القوة أمام المجتمع، بينما بدا لي أن بعض لحظاته تقع هي الأخرى في فخ الأداء المصطنع، وكأن العمل الذي يسعى إلى كشف الأقنعة الاجتماعية لم يستطع دائما التخلص من قناعه السينمائي. وربما كانت هذه المفارقة أكثر إثارة للاهتمام من بعض الحكايات التي حاول الفيلم تقديمها، لأن الفيلم التسجيلي الذي يسعى إلى اكتشاف الحقيقة الإنسانية يحتاج قبل أي شيء إلى الإنصات لشخصياته، لا إلى فرض المعنى عليها.
ورغم أن صناعة الفيلم امتدت لسنوات طويلة، فإن الزمن وحده لا يصنع فيلما ناضجا. فالمونتاج والبناء السردي هما ما يمنحان المادة المصورة قيمتها، وليس عدد السنوات التي قضيت في تصويرها. وقد افتقدت في الفيلم تصاعدا دراميا حقيقيا يجعلني أكثر ارتباطا بالشخصيات، وشعرت أن بعض المشاهد تكرر المعنى بدلا من أن تطوره، وأن الفيلم كان يحتاج إلى قدر أكبر من الحسم في اختيار ما يستحق البقاء وما ينبغي الاستغناء عنه.
خرجت من «مفيش راجل بيعيط» وأنا أشعر أنني شاهدت فيلما يمتلك صورة جيدة وفكرة مهمة، لكنه لم ينجح في تحويلهما إلى تجربة سينمائية مؤثرة. فالشخصيات الحقيقية كانت تستحق مساحة أوسع، والحكاية كانت تحتاج إلى بناء أكثر تماسكا، والمخرج كان يحتاج أحيانا إلى أن يتراجع خطوة إلى الخلف حتى يمنح أبطاله فرصة الظهور.
وفي النهاية، ليست أزمة الفيلم أنه حاول مناقشة هشاشة الرجال خلف مظهر القوة، وإنما أنه قدم هذه الهشاشة داخل بناء سينمائي هش هو الآخر. وبين صورة جميلة وحكاية مرتبكة، وجدت نفسي أمام مفارقة ربما لم يقصدها صناع العمل، وهي أن الفيلم الذي أراد أن يخبرنا بأن الرجال يمكن أن يبكوا، انتهى به الأمر إلى أن يجعل الحكاية نفسها هي التي تستحق البكاء.
فالسينما التسجيلية لا تصبح أكثر صدقا لمجرد أنها تصور أشخاصا حقيقيين، ولا تصبح أكثر عمقا لمجرد أن المخرج يضع نفسه أمام الكاميرا. وأحيانا تكون شجاعة المخرج الحقيقية في أن يعرف متى يختفي، ويترك الحياة تتحدث عن نفسها.