ليس كل من يمتلك حكاية يصلح أن يكون بطلا لفيلم تسجيلي طويل، فالأمر لا يتوقف عند غرابة الشخصية أو استثنائية ما حققته، وإنما يرتبط بقدرتها على جذب المشاهد والاحتفاظ باهتمامه، وهذا ما نجح فيه المخرج أمير الشناوي في فيلمه «عودة كابتن كابونجا» الذي عرض ضمن فعاليات مهرجان الجونة السينمائي، حيث اختار شخصية أشرف كابونجا بما تمتلكه من حضور إنساني وتلقائية وقدرة لافتة على سرد الحكايات، جعلت الجمهور يتفاعل معه ويبتسم لمواقفه ويتعاطف مع إخفاقاته دون أن يفقد رغبته في الاستماع إليه.

الفيلم لا يكتفي بتقديم رجل يمتلك قوة جسدية استثنائية، بل يقترب من إنسان يعيش صراعا مستمرا بين أحلامه الكبيرة وإمكانياته المحدودة، وبين لحظات الصعود والانكسار، وقد نجح الشناوي في تقديم هذه الرحلة بلغة سينمائية واضحة ظهرت في تكوين الكادرات واختيار زوايا التصوير وتوقيت التقاط اللحظات الإنسانية، وهو ما يعكس جهدا حقيقيا في متابعة الشخصية وتصويرها على مدار سنوات، حتى أصبحت الكاميرا جزءا من عالمها وليست مجرد أداة لتسجيل الأحداث.

اقرأ أيضًا: لمى كتكت تتألق بالأسود في مهرجان الجونة ..صور

ومن أكثر المشاهد التي تستحق التوقف أمامها مشهد «ختم أشرف كابونجا» حين يوجه ضربات بيده إلى صدور الشباب الذين يتدربون معه فتترك علامات حمراء واضحة على أجسادهم، في مشهد يمتلك قوة بصرية ودلالة تتجاوز الفعل نفسه، فالختم هنا ليس مجرد استعراض للقوة، بل يمكن قراءته باعتباره رمزا للأثر الذي يسعى كابونجا إلى تركه في الآخرين، وإن كان المشهد يفتح أيضا تساؤلا حول العلاقة بين القوة الجسدية ومفهوم الرجولة الذي يحاول نقله إلى تلاميذه، وقد جاء التكوين البصري وتتابع اللقطات في هذا المشهد من أكثر اللحظات تعبيرا عن رؤية المخرج وقدرته على تحويل التفاصيل الواقعية إلى صورة ده تحمل معنى سينمائيا.

ويحسب للفيلم نجاحه في بناء مسار درامي يتجاوز الشكل التقليدي لأفلام البورتريه التسجيلية، من خلال متابعة محاولات كابونجا المستمرة لتحقيق حلمه، وتوظيف المكالمات الهاتفية المتتابعة مع أصدقائه وظهور وزير الشباب السابق والمحافظ والشخصيات الإدارية في أحد المشاهد بواقعية شديدة، كما حمل الفيلم بعدا سياسيا واجتماعيا ذكيا من خلال حضور الأحزاب والشخصيات العامة، وكشف المفارقة بين رجل بسيط يحاول استثمار شهرته لمساعدة الآخرين، وبين بعض مظاهر الحضور السياسي التي تبدو أقرب إلى البحث عن الصورة والظهور الإعلامي منها إلى تقديم دعم حقيقي.

والمميز أن هذه المفارقة لم تحتج إلى خطاب سياسي مباشر، بل ظهرت من خلال المواقف وطبيعة العلاقات وتتابع الأحداث، تاركة للمشاهد مساحة للتأمل في الفارق بين من يصنع أثرا حقيقيا ومن يكتفي بالظهور إلى جواره. وفي الوقت نفسه منح السعي نحو المباراة النهائية الحكاية هدفا دراميا واضحا حافظ على ترقب المشاهد. ورغم الواقعية الشديدة التي تميز الفيلم، فإن بعض المشاهد المرتبطة بزوجته الثانية بدت أقرب إلى إعادة بناء الواقع، على عكس المشاهد مع زوجته الأولى التي اتسمت بتلقائية وصدق أكبر، وهو فارق يمكن ملاحظته دون أن ينتقص من القيمة العامة للتجربة.

وعلى المستوى الفني تستحق جودة الصوت إشادة خاصة، فقد كان أحد أهم عناصر نجاح الفيلم، سواء في وضوح الحوارات أو التعامل مع اختلاف مواقع التصوير وظروفه، وهو إنجاز مهم في عمل تسجيلي امتد تصويره لسنوات. كما قدم مينا سامي موسيقى تصويرية شديدة الحساسية، جاءت في توقيتاتها المناسبة وأسهمت في تعميق الأثر العاطفي للمشاهد دون مبالغة أو افتعال. ورغم وجود بعض اللحظات التي كان يمكن اختصارها لتجنب الإحساس بالبطء، فإن الفيلم استطاع في مجمله كسر رتابة الفيلم التسجيلي الطويل، مستفيدا من ثراء الشخصية وحيوية الأحداث والقدرة على خلق تطور درامي مستمر.

في النهاية يقدم «عودة كابتن كابونجا» تجربة تسجيلية تستحق التقدير، ليس فقط لما بذل فيها من جهد تصويري وفني، وإنما لنجاحها في الاقتراب من شخصية استثنائية دون أن تفقد إنسانيتها. وربما تختصر فكرة «ختم أشرف كابونجا» جوهر الفيلم كله، فكما يترك كابونجا علامة حمراء على صدور تلاميذه، يحاول طوال رحلته أن يترك بصمته في الحياة، وكأن القوة الحقيقية لا تقاس فقط بما يستطيع الإنسان تحريكه من أوزان، وإنما بما يستطيع أن يتركه من أثر.