تدور أحداث الفيلم القصير «قطة الليزر» للمخرج لوكاس أشر، الحائز على الجائزة الأولى في مسابقة La Cinef بمهرجان كان السينمائي 2026، والمشارك في مسابقة الأفلام القصيرة بمهرجان الجونة السينمائي، حول شاب يعاني من القلق الاجتماعي، يجد نفسه في مأزق بعدما يتسبب في إصابة قطة الفتاة التي يحبها، لينطلق في رحلة ليلية داخل شوارع ساو باولو البرازيلية محاولا إنقاذها. ومن خلال سلسلة من المواقف الغريبة والمفاجآت، تتحول الحكاية البسيطة إلى تجربة تجمع بين التشويق والكوميديا السوداء، وتطرح أسئلة عن المسؤولية والتعاطف الإنساني.

أحيانا ينجح الفيلم القصير في أن يقول ما تعجز عنه أفلام طويلة، ليس بكثرة الأحداث أو تعقيد الحكاية، وإنما بقدرته على التقاط مفارقة إنسانية وتحويلها إلى تجربة سينمائية مؤثرة. وهذا ما شعرت به أثناء مشاهدة «قطة الليزر»، الذي أعجبني فيه السيناريو بشكل خاص، وطريقة بناء الأحداث وتصاعدها بصورة ذكية ومدروسة، حيث يقود كل موقف إلى آخر دون افتعال، ويظل المشاهد متورطا في الحكاية حتى نهايتها.

اقرأ أيضًا: فيلم ولا كان عالبال يتصدر الإيرادات فى شباك تذاكر السبت

التصوير كان أحد أهم عناصر نجاح الفيلم، فحركة الكاميرا وتكوين الكادرات والإحساس بالمكان لم تكن مجرد اختيارات جمالية، بل ساهمت في نقل التوتر والارتباك الذي يعيشه البطل إلى المشاهد. ومع الموسيقى والمونتاج، اكتملت الحالة السينمائية، وأصبحنا نعيش تفاصيل الرحلة بدلا من الاكتفاء بمراقبتها. وقد نجح المخرج في تحقيق توازن لافت بين التشويق والسخرية، فنجد أنفسنا أحيانا نضحك من غرابة المواقف، قبل أن نكتشف قسوتها الإنسانية.

لكن أكثر ما استوقفني في الفيلم لم يكن المغامرة نفسها، وإنما المفارقة الصادمة حين يرى الناس امرأة ميتة، بينما ينصرف اهتمامهم الأكبر إلى الاطمئنان على القطة التي ما زالت على قيد الحياة. هنا تحديدا ينتقل الفيلم من مجرد حكاية طريفة إلى سؤال أخلاقي شديد القسوة: كيف يمكن أن نمتلك كل هذا التعاطف مع حيوان، بينما نقف أمام موت إنسان بهذا القدر من البرود؟

ولا يتعلق الأمر هنا بالتقليل من قيمة الرحمة بالحيوانات، فهي في حد ذاتها تعبير عن الإنسانية، وإنما بما يمكن وصفه بالتعاطف الانتقائي، حين نمنح اهتمامنا ومشاعرنا لطرف، بينما نتجاهل معاناة طرف آخر. وهي مفارقة تعكس جانبا مؤلما من واقعنا، حيث أصبحت صور الموت والمآسي الإنسانية مألوفة إلى درجة أفقدت البعض حساسيتهم تجاهها، بينما قد تثير حكاية حيوان صغير مشاعر أكثر قوة.

والأجمل أن الفيلم لا يقدم هذه الفكرة في صورة خطاب أخلاقي مباشر، بل يتركها تنمو من داخل الأحداث، مستخدما الكوميديا السوداء بذكاء، فتضحك من الموقف قبل أن تدرك أنك أمام مأساة حقيقية. والأكثر ذكاء أن الفيلم يجعلنا نحن أيضا ننشغل بمصير القطة طوال الرحلة، قبل أن يضعنا أمام السؤال نفسه الذي يطرحه على شخصياته، وكأن المشاهد يصبح جزءا من المفارقة وليس مجرد متفرج عليها.

ما يميز «قطة الليزر» أنه استطاع الجمع بين المتعة السينمائية والعمق الإنساني دون أن يضحي بأحدهما لصالح الآخر. فالسيناريو متماسك، والتصوير والموسيقى يخدمان الحالة الدرامية، والإيقاع يحافظ على اهتمام المشاهد، بينما تصل الفكرة الإنسانية دون مباشرة أو افتعال. وهي معادلة صعبة، خصوصا في فيلم قصير يمتلك زمنا محدودا ليقدم حكاية وشخصيات وصراعا ونهاية تترك أثرا.

خرجت من الفيلم معجبا بالبناء الدرامي والتصوير والموسيقى، لكن ما بقي معي أكثر من أي شيء آخر هو تلك المفارقة التي تكشف أن الإنسانية لا تقاس فقط بقدرتنا على الرحمة، وإنما بقدرتنا على ألا نكون انتقائيين في تعاطفنا.

ربما تكون القطة قد نجت بالفعل، لكن السؤال الأصعب هو: هل نجت إنسانيتنا معها؟