نشرت وزارة الأوقاف، موضوع خطبة الجمعة القادمة الموافق: 12 جمادى الأولى 1448 هجريا - 23 أكتوبر 2026م، والتي ستكون بعنوان: «الذوق العام.. رُقِيُّ السلوك وجمالُ الأخلاق».
وأوضحت وزارة الأوقاف، في بيان أن الهدف المراد توصيله من موضوع خطبة الجمعة هو تعزيز الوعي بأهمية الذوق العام، تجسيدًا لقيم الإسلام في احترام مشاعر الآخرين ومراعاة حقوقهم وخصوصياتهم، وسعيًا إلى بناء مجتمع راق تسوده المودة والاحترام، ويعبِّر عن أصالته وصدق انتمائه لوطنه.
اقرأ أيضًا: المنهج الشرعي لفهم السنة النبوية والاجتهاد فيها.. المفتي السابق يكشف عنه
موضوع خطبة الجمعة القادمة
الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه واتبع هداه، أما بعد:
فإنَّ الإسلامَ دينٌ متكاملٌ، لم يقتصر على تنظيم علاقة الإنسان بربه من خلال الشعائر والعبادات، بل امتدَّ ليهذِّب أخلاقه، ويضبط سلوكه، وينظِّم علاقته بالناس والحياة من حوله، فكما اعتنى بالأصول الكبرى والقضايا العظيمة، لم يُغفل دقائق التصرفات وتفاصيل الحياة اليومية، وجعل للكلمة آدابًا، وللطريق حقوقًا، وللزيارة أصولًا، وللمجالس حرمةً، وللتعامل مع الآخرين ضوابطَ تحفظ كرامتهم وتصون مشاعرهم، ومن هنا تتجلَّى عظمة هذا الدين في أنه لا يفصل العبادة عن الأخلاق، ولا يجعل التدين حبيس الشعائر، بل يترجم الإيمان إلى سلوك يراه الناس في نظافة الإنسان، وحسن مظهره، وطيب حديثه، واحترامه للخصوصيات، وحرصه على ألا يؤذي أحدًا بقول أو فعل، وفي هذا الإطار يأتي الذوق العام بوصفه مظهرًا من مظاهر اكتمال التربية الإسلامية، وصورةً عمليةً لحسن الخلق.
الذوق العام هو انعكاس لما استقر في نفس الإنسان من قيم الإيمان ومكارم الأخلاق؛ فحسن الخلق الذي أثنى الله به على نبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في قوله: {وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِیمࣲ} [القلم: ٤]، هو المنهج الذي ينبغي أن يهتدي به المسلم في تعامله مع الناس، فيحفظ كرامتهم، ويراعي مشاعرهم، ويعاملهم بما يحب أن يعاملوه به، وقد جعل النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حسن الخلق من علامات الخيرية، فقال: «إِنَّ مِنْ خِيَارِكُمْ أَحْسَنَكُمْ أَخْلَاقًا» [رواه البخاري].
الكلمة مرآة النفس، وبها يكشف الإنسان عن رقي فكره ونقاء قلبه؛ فقد وجّه القرآن الكريم إلى القول الحسن في قوله تعالى: {وَقُولُوا۟ لِلنَّاسِ حُسۡنࣰا} [البقرة: ٨٣]، وقال تعالى: {وَقُل لِّعِبَادِی یَقُولُوا۟ ٱلَّتِی هِیَ أَحۡسَنُۚ إِنَّ ٱلشَّیۡطَٰنَ یَنزَغُ بَیۡنَهُمۡۚ} [الإسراء: ٥٣].
وكما وجّه القرآن وجّه الهدي النبوي إلى الكلمة الطيبة والقول الحسن، فعن عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، فَإِنْ لَمْ تَجِدْ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ» [رواه البخاري].
إن عناية الإسلام بالنظافة جزء من منظومة الآداب الإسلامية، وهي معلم من معالم الفطرة، فقد أرشد النبي صلى الله عليه وسلم أن عناية المرء بمظهره وهيئته ونظافته أمر من أمور الفطرة فقال صلى الله عليه وسلم: «الْفِطْرَةُ خَمْسٌ، أَوْ خَمْسٌ مِنَ الْفِطْرَةِ: الْخِتَانُ، وَالِاسْتِحْدَادُ، وَنَتْفُ الْإِبْطِ، وَتَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ، وَقَصُّ الشَّارِبِ» [متفق عليه].
والنظافة مظهر من مظاهر احترام الإنسان لنفسه وللبيئة التي يعيش فيها وللناس الذين يشاركونه الانتفاع بها، وهي مسئولية مشتركة بين المجتمع، أناطها الإسلام بكل فرد، وحذر من الإفساد في الأرض فقال: {وَلَا تُفۡسِدُوا۟ فِی ٱلۡأَرۡضِ بَعۡدَ إِصۡلَٰحِهَا} [الأعراف: ٥٦]، فلا يليق بالإنسان أن يستمتع بحديقة أو مرفق عام، ثم يترك وراءه المخلفات، فالمكان المشترك أمانة، والمحافظة عليه احترام لكل من ينتفع به، ومن صور المحافظة على الأماكن العامة:
إلقاء النفايات في الأماكن المخصصة لها، وعدم ترك بقايا الطعام والأكواب والأكياس في الشوارع والحدائق ووسائل المواصلات.
صيانة الممتلكات العامة، بعدم إتلاف المقاعد أو الأشجار أو أدوات الإنارة، أو الكتابة على الجدران وتشويه المرافق.
ترشيد استهلاك الموارد بالمحافظة على المياه والكهرباء، وعدم العبث بالصنابير أو مصادر الإنارة في المرافق العامة.
احترام جهود عمال النظافة بعدم مضاعفة أعبائهم، وتقدير عملهم، والتعامل معهم بأدب واحترام.
ترك المكان نظيفًا بعد الانتفاع به، سواء في الرحلات أو المناسبات أو الحدائق أو أماكن الانتظار.
المشاركة في المبادرات المجتمعية: كحملات النظافة والتشجير والتوعية البيئية، وتشجيع الأطفال والشباب على المحافظة على المرافق.
صور معاصرة لاحترام الطريق
احترام حق المرور وعدم التضييق على الآخرين، فمن الذوق العام ألا يحتل الإنسان الرصيف بما يعوق المارة، وألا يوقف مركبته في موضع يعرقل حركة الناس، وألا يقف في المداخل والمخارج أو أمام المنحدرات المخصصة للكراسي المتحركة. كما ينبغي احترام إشارات المرور وممرات المشاة، وإفساح المجال لسيارات الطوارئ، وتجنب استخدام الطريق بشكل يعرض الآخرين للخطر.
مراعاة الهدوء وعدم إزعاج الناس، فمن حق الناس أن يجدوا في الأماكن العامة قدرًا معقولًا من الراحة والسكينة؛ ولذلك ينبغي تجنب رفع الصوت بغير حاجة، وتشغيل المقاطع الصوتية بصوت يزعج المحيطين، واستخدام مكبرات الصوت دون مراعاة المكان والزمان، ولا سيما في المستشفيات ووسائل النقل والمناطق السكنية.
احترام النظام والدور، فالالتزام بالطوابير، واحترام أسبقية الحضور، وعدم اقتحام الصفوف أو استغلال النفوذ لتجاوز المنتظرين، كلها صور من العدالة وحسن المعاملة، ويزداد هذا الأدب أهمية في المستشفيات، ومكاتب الخدمات، ومحطات النقل، والمصالح الحكومية؛ حيث يضمن النظام حفظ الحقوق وتقليل النزاع.
صيانة الخصوصية والكرامة، فمن آداب التعامل عدم التحديق في الناس، أو السخرية من هيئاتهم، أو تصويرهم دون إذنهم في الأحوال التي تمس خصوصيتهم، أو نشر صورهم ومقاطعهم بقصد الإحراج أو التشهير، فالتقدم التقني لا يلغي حق الإنسان في الخصوصية، ولا يجعل وجوده في مكان عام إذنًا مفتوحًا بانتهاك كرامته.
احترام الفئات الأكثر احتياجًا إلى الرعاية، فمن علامات رقي المجتمع إفساح المجال لكبار السن، ومساعدة ذوي الهمم عند الحاجة بما يحفظ استقلالهم وكرامتهم، واحترام الأماكن المخصصة لهم، وعدم احتلال المقاعد المهيأة لاحتياجاتهم بغير حق. فحسن الخلق يتجلى بوضوح في مراعاة من يحتاج إلى مساعدة أو تيسير.