السبت 17-10-2026 04:23 المصري اليوم

لم تعد المنافسة بين الجامعات فى عالم اليوم مقتصرة على ما تقدمه من برامج دراسية أو ما تمنحه من شهادات علمية بل أصبحت جزءًا من سباق أوسع تتنافس فيه الدول على جذب العقول والمواهب والطلاب الدوليين باعتبار التعليم العالى أحد أهم مصادر القوة الناعمة ومحركًا رئيسيًا للاقتصاد والتنمية، ومن هذا المنطلق تمثل الجامعات الأهلية المصرية فرصة استراتيجية ينبغى استثمارها لتعزيز مكانة مصر بوصفها مركزًا إقليميًا رائدًا للتعليم العالى فى الشرق الأوسط وأفريقيا.

وشهدت منظومة التعليم العالى توسعًا كبيرا فى إنشاء الجامعات الأهلية التى تستهدف تقديم برامج تعليمية حديثة والاستجابة لمتطلبات سوق العمل وربط الدراسة الأكاديمية بالتطبيق العملى والبحث العلمى، غير أن هذا التوسع على أهميته يجب أن يصاحبه تحرك موازٍ للتعريف بهذه المؤسسات والترويج لبرامجها وبناء صورة ذهنية دولية تعكس ما تمتلكه من إمكانات أكاديمية وبشرية وبنية تحتية متطورة.

اقرأ أيضًا: أمير هشام: الأهلي يدخل مواجهة كيتارا بمعنويات مرتفعة.. وحقيقة الدور الفني لوائل جمعة

وأعتقد أن الرهان الأكبر أمام هذه الجامعات لا يتمثل فقط فى استقطاب الطلاب المصريين وإنما فى قدرتها على جذب الطلاب الوافدين الذين يمثلون قيمة مضافة تتجاوز العائد الاقتصادى المباشر إلى تعزيز التبادل الثقافى والعلمى وبناء جسور التواصل بين مصر ومحيطها العربى والأفريقى والدولى.

فمصر تمتلك مقومات تاريخية وجغرافية وثقافية تؤهلها للقيام بهذا الدور إذ ارتبط اسمها طويلًا بالتعليم والمعرفة وشكلت جامعاتها على مدار عقود مقصدًا لطلاب من مختلف الدول العربية والأفريقية، ومن ثم فإن تطوير تجربة الجامعات الأهلية والتعريف بها عالميًا يمثلان امتدادًا طبيعيًا لهذه المكانة وفرصة لاستعادة زخمها فى ظل المنافسة الإقليمية المتزايدة.

ويتطلب تحقيق ذلك الانتقال من الترويج التقليدى إلى استراتيجية متكاملة للتسويق التعليمى الدولى تبدأ بإنشاء منصات رقمية متعددة اللغات وتقديم معلومات واضحة عن البرامج الدراسية والمصروفات والمنح والخدمات الطلابية ولا تنتهى بتنظيم حملات تعريفية فى الدول المستهدفة والمشاركة فى المعارض التعليمية الدولية، وتفعيل دور المكاتب الثقافية والسفارات المصرية فى التعريف بالفرص المتاحة.

كما ينبغى الاهتمام بتجربة الطالب الوافد منذ لحظة التقديم وحتى التخرج من خلال تبسيط إجراءات القبول وتوفير الدعم الإدارى والأكاديمى وتطوير خدمات الإقامة والرعاية وإتاحة بيئة جامعية منفتحة تحترم التنوع الثقافى، فالطالب الذى يخوض تجربة تعليمية ناجحة يصبح سفيرًا لمصر فى بلده، وينقل صورة إيجابية عنها إلى أسرته ومجتمعه.

إن الجامعات الأهلية ليست مجرد إضافة عددية إلى خريطة التعليم الجامعى بل يمكن أن تصبح أداة مؤثرة فى تعزيز القوة الناعمة المصرية، وزيادة موارد الدولة ودعم التعاون الإقليمى ويتطلب ذلك تكاملًا بين الجامعات ووزارتى التعليم العالى والخارجية والجهات المعنية بالترويج لمصر ضمن رؤية موحدة تجعل جذب الطلاب الدوليين هدفًا استراتيجيًا قابلًا للقياس.

إن ريادة مصر التعليمية لا ينبغى أن تظل مجرد إرث تاريخى نفخر به بل مشروعًا متجددًا نعمل على تطويره وتسويقه، والجامعات الأهلية بما تمتلكه من فرص واعدة قادرة على أن تكون إحدى بوابات هذا المشروع شريطة أن ننتقل من مرحلة إنشاء المؤسسات إلى مرحلة بناء السمعة الدولية واستقطاب العقول، وتحويل التعليم العالى إلى أحد روافد مكانة مصر ومستقبلها.