مع تزايد التساؤلات حول سلامة لقاحات الأطفال، وما يتردد عبر مواقع التواصل الاجتماعي بشأن احتمالية تسبب لقاح الحصبة في الإصابة بالتوحد أو مشكلات صحية خطيرة، يؤكد الأطباء أن التطعيم يظل الوسيلة الأكثر فاعلية للوقاية من هذا المرض شديد العدوى، الذي قد يتسبب في مضاعفات خطيرة تصل إلى الالتهاب الرئوي والتهاب المخ والوفاة، خاصة بين الأطفال الصغار.

وأوضح الدكتور إسلام عنان، أستاذ علم الأوبئة، أن فهم آلية عمل اللقاحات يساعد على إدراك أهميتها، مشيرًا إلى أن اللقاح يدرب الجهاز المناعي على التعرف على الفيروس ومقاومته، بحيث يكون الجسم مستعدًا للتعامل معه بسرعة عند التعرض للعدوى الحقيقية، بدلًا من الانتظار حتى يتكاثر الفيروس وتظهر أعراض المرض.

اقرأ أيضًا: تقلبات الطقس وأصحاب الأمراض المزمنة.. 6 نصائح لتجنب المضاعفات

لقاح الحصبة يدرب الجهاز المناعي على مقاومة الفيروس

ينتمي لقاح الحصبة المستخدم ضمن اللقاح الثلاثي (MMR)، الذي يوفر الحماية من الحصبة والنكاف والحصبة الألمانية، إلى فئة اللقاحات الحية المُضعّفة (Live Attenuated Vaccines)، إذ يحتوي على نسخة ضعيفة من الفيروس تحفز الجهاز المناعي على إنتاج الأجسام المضادة وتكوين ذاكرة مناعية تساعده على التعرف على الفيروس ومقاومته مستقبلًا.

وبذلك يمنح اللقاح الجهاز المناعي فرصة للتعرف على الفيروس والاستعداد لمواجهته، دون التعرض للمخاطر والمضاعفات التي قد تنتج عن الإصابة بالمرض نفسه.

الدراسات العلمية تؤكد عدم وجود علاقة بين لقاح الحصبة والتوحد

من أبرز المخاوف التي يثيرها بعض أولياء الأمور احتمالية ارتباط لقاح الحصبة بالتوحد، إلا أن الدراسات العلمية واسعة النطاق لم تجد دليلًا على وجود علاقة سببية بين التطعيم والإصابة بالتوحد.

وفي دراسة منشورة بدورية Annals of Internal Medicine عام 2019، وشملت أكثر من 657 ألف طفل في الدنمارك، لم يجد الباحثون زيادة في معدلات التوحد بين الأطفال الذين حصلوا على لقاح الحصبة والنكاف والحصبة الألمانية (MMR)، كما لم تظهر زيادة في المخاطر لدى الأطفال الأكثر عرضة للإصابة بالتوحد بسبب عوامل وراثية أو تاريخ عائلي.

مكونات لقاح الحصبة تخضع لمعايير السلامة والرقابة

وفقًا للمراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض والوقاية منها (CDC)، لا يحتوي لقاح الحصبة والنكاف والحصبة الألمانية (MMR) على الألومنيوم.

وتختلف المكونات المساعدة باختلاف الشركة المصنعة ونوع اللقاح، وقد تشمل بعض التركيبات مواد مثل السوربيتول والجيلاتين والأحماض الأمينية وكميات ضئيلة من بعض المضادات الحيوية المستخدمة خلال التصنيع، ولذلك ينبغي الرجوع إلى النشرة الخاصة بالمنتج المستخدم لمعرفة مكوناته بدقة.

الآثار الجانبية للقاح الحصبة غالبًا بسيطة ومؤقتة

مثل أي لقاح أو دواء، قد يسبب لقاح الحصبة بعض الآثار الجانبية، لكنها غالبًا ما تكون بسيطة ومؤقتة، ومن أبرزها:

- ألم أو احمرار في موضع الحقن.
- ارتفاع درجة الحرارة.
- طفح جلدي خفيف قد يظهر بعد عدة أيام من التطعيم.
- تورم الغدد الليمفاوية في بعض الحالات.

وتشير المراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض والوقاية منها إلى وجود احتمالات نادرة لبعض المضاعفات، مثل التشنجات المرتبطة بارتفاع الحرارة، أو انخفاض مؤقت في عدد الصفائح الدموية، كما قد تحدث حساسية شديدة للقاح في حالات نادرة للغاية.

ويجب الانتباه إلى أن اللقاح الحي المُضعّف لا يناسب بعض الفئات، مثل الحوامل والأشخاص الذين يعانون من ضعف شديد في المناعة، أو من لديهم تاريخ حساسية مفرطة تجاه أحد مكوناته، ولذلك ينبغي تقييم الحالة طبيًا قبل التطعيم.

مضاعفات الحصبة الطبيعية تجعل التطعيم ضرورة لحماية الأطفال

يحذر الأطباء من الاعتماد على الإصابة الطبيعية بالحصبة باعتبارها وسيلة لاكتساب المناعة، لأن المرض ليس مجرد طفح جلدي وارتفاع في الحرارة، بل قد يؤدي إلى مضاعفات خطيرة.

ووفقًا للمراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض والوقاية منها (CDC)، فإن طفلًا من كل 20 طفلًا مصابًا بالحصبة قد يصاب بالالتهاب الرئوي، كما قد يتعرض طفل من كل ألف حالة إلى التهاب حاد بالمخ، بينما قد تؤدي الإصابة إلى وفاة طفل أو ثلاثة أطفال من كل ألف حالة إصابة.

ولا تتوقف المخاطر عند التعافي من المرض، إذ يمكن أن تؤدي الحصبة إلى إضعاف الذاكرة المناعية للجسم، وهي ظاهرة تُعرف باسم Immune Amnesia، ما يجعل الطفل أكثر عرضة للإصابة بأمراض وعدوى أخرى كان جهازه المناعي قد تعلم مقاومتها سابقًا.

7 نصائح للأمهات للتعامل مع الطفل بعد تطعيم الحصبة

بعد حصول الطفل على لقاح الحصبة، هناك مجموعة من النصائح التي قدمها الدكتور مدحت أحمد، استشاري الأطفال بالقصر العيني، والتي تساعد الأمهات على التعامل مع الأعراض المحتملة ومتابعة الطفل بصورة صحيحة، ومن أبرزها:

1. مراقبة درجة حرارة الطفل: قد ترتفع درجة الحرارة بعد التطعيم، وأحيانًا يظهر الارتفاع بعد عدة أيام، لذلك يُنصح بمتابعة الطفل، وعدم إعطائه خافضًا للحرارة بصورة وقائية دون الحاجة إليه أو استشارة الطبيب.

2. الاهتمام بالسوائل والرضاعة: احرصي على تقديم السوائل المناسبة لعمر الطفل، والاستمرار في الرضاعة الطبيعية أو الصناعية، مع توفير الراحة له إذا شعر بالتعب.

3. التعامل مع ألم موضع الحقن: قد يظهر احمرار أو تورم بسيط مكان الحقن، ويمكن وضع كمادات باردة ونظيفة لفترة قصيرة لتخفيف الانزعاج، مع تجنب تدليك موضع التطعيم بقوة.

4. متابعة الطفح الجلدي وارتفاع الحرارة: قد يظهر طفح جلدي خفيف أو ارتفاع محدود في درجة الحرارة بعد نحو أسبوع إلى أسبوعين من التطعيم، وهي استجابة مناعية معروفة، لكن يجب استشارة الطبيب إذا كان الطفح شديدًا أو مصحوبًا بأعراض غير معتادة.

5. تجنب المضادات الحيوية دون داعٍ: المضادات الحيوية لا تعالج الآثار الجانبية للقاح، ولا ينبغي استخدامها إلا إذا قرر الطبيب وجود عدوى بكتيرية تستدعي ذلك.

6. الالتزام بالجرعات التالية: حصول الطفل على جرعة واحدة لا يعني بالضرورة اكتمال الحماية، لذلك يجب الالتزام بجدول التطعيمات والجرعات المقررة وفقًا للبرنامج الوطني للتطعيمات.

7. التعرف على علامات الخطر: إذا ظهرت صعوبة في التنفس، أو تورم بالوجه أو الحلق، أو دوخة شديدة أو فقدان للوعي بعد التطعيم، يجب طلب المساعدة الطبية الطارئة فورًا، لاحتمال حدوث تفاعل تحسسي شديد، وهو أمر نادر للغاية.

كما تنصح الجهات الصحية الأمهات بعدم إعطاء الطفل أي أدوية أو خافضات حرارة بصورة عشوائية، والتواصل مع الطبيب إذا استمرت الحرارة أو كانت مرتفعة بشدة، أو ظهرت أعراض تثير القلق، خاصة لدى الأطفال الذين لديهم مشكلات صحية أو ضعف في المناعة.

تطعيم الحصبة أنقذ نحو 59 مليون شخص حول العالم

وتؤكد البيانات المنشورة على موقع منظمة الصحة العالمية أن التطعيم ضد الحصبة ساهم في منع ما يقرب من 59 مليون وفاة حول العالم خلال الفترة من 2000 إلى 2024، وهو ما يعكس أهمية الالتزام ببرامج التطعيم وتوفير الجرعات الموصى بها للأطفال.

وتظل الوقاية بالتطعيم أكثر أمانًا من تعريض الطفل لمخاطر الإصابة الطبيعية بالمرض، مع ضرورة الالتزام بمواعيد الجرعات وفقًا لجدول التطعيمات المعتمد والتأكد من استكمال الجرعات المطلوبة لتحقيق الحماية المناسبة.