مع ارتفاع معدلات الإصابة بالإنفلونزا في إنجلترا خلال الشهر الماضي والعالم عموما، بمستويات أعلى من المعتاد وفي وقت مبكر مقارنة بالسنوات الأربع السابقة، وفقًا لوكالة الأمن الصحي البريطانية، يتجدد الجدل حول المثل الشائع "أطعم نزلة البرد وجوّع الحمى"، ومدى صحة الامتناع عن الطعام عند ارتفاع درجة حرارة الجسم.
ورغم أن هذا المثل قد يستند إلى بعض التفسيرات العلمية، فإن الخبراء يؤكدون أن التعامل مع العدوى لا يتطلب تجويع الجسم، بل الاهتمام بالتغذية المناسبة والسوائل لمساعدة الجهاز المناعي على أداء وظيفته، حسبما نشر موقع الديلي ميل
اقرأ أيضًا: تقلبات الطقس.. 5 نصائح تساعدك على تجنب الإصابة بنزلات البرد والأنفلونزا
لماذا ترتفع درجة الحرارة أثناء العدوى؟
يوضح جون تريغونينغ، أستاذ علم المناعة المرتبط باللقاحات في إمبريال كوليدج لندن، أن الحمى وسيلان الأنف من استجابات الجسم الطبيعية للعدوى، إذ تساعد هذه التفاعلات المناعية على مقاومة الفيروسات والبكتيريا، ويُعتقد أن ارتفاع درجة حرارة الجسم يبطئ نمو بعض مسببات العدوى، ما يمنح الجهاز المناعي فرصة أفضل للقضاء عليها. وعلى الرغم من أن نزلات البرد عادة ما تكون أقل حدة من الإنفلونزا، فإنها قد تصاحبها الحمى أيضًا.
وتختلف الأعراض بحسب شدة العدوى والعوامل الوراثية والحالة الصحية، إذ قد تقتصر الإصابة البسيطة على سيلان الأنف، بينما يمكن أن تؤدي العدوى الأكثر شدة إلى السعال أو ارتفاع درجة الحرارة، خاصة لدى المصابين بمشكلات تنفسية سابقة مثل الربو.
هل يساعد تجويع الجسم على مقاومة الفيروسات؟
قد يرجع انتشار فكرة "تجويع الحمى" إلى أن الشهية تنخفض طبيعيًا لدى بعض الأشخاص أثناء المرض، وأظهرت دراسة أجرتها إمبريال كوليدج لندن عام 2024 أن الفئران المصابة بفيروس نزلات البرد فقدت وزنها، ويُعتقد أن ذلك يرتبط بإفراز الجهاز المناعي بروتينًا يُعرف باسم "إنترلوكين-1 ألفا"، يرسل إشارات إلى الدماغ تقلل الرغبة في تناول الطعام.
وقد يؤدي ذلك أيضًا إلى ارتفاع مستويات هرمون اللبتين، الذي يساهم في تثبيط الشهية، ويرى تريغونينغ أن مسارًا مشابهًا قد يحدث لدى البشر، لكن نتائج الدراسات على الحيوانات لا تعني بالضرورة أن الامتناع عن الطعام مفيد للإنسان أثناء المرض.
وفي دراسة أخرى أجرتها جامعة بون الألمانية ونُشرت في مجلة "نيتشر" عام 2022، وجد الباحثون أن انخفاض تناول الطعام قد يدفع الجسم إلى استخدام مخزون الدهون للحصول على الطاقة، منتجًا مركبات تُعرف بالأجسام الكيتونية، التي يمكن أن تستخدمها الخلايا المناعية. كما رصدت الدراسة مستويات مرتفعة من هذه المركبات لدى أشخاص مصابين بالإنفلونزا.
لكن هذه النتائج لا تعني أن على المرضى تقليل الطعام عمدًا أو اتباع نظام غذائي معين أثناء العدوى.
لماذا تظل التغذية مهمة أثناء الحمى؟
يحذر الدكتور براڤين مولانغوري، استشاري أمراض الجهاز التنفسي في مستشفى إبسوم ومستشفى سباير سانت أنتوني في سري، من أن الحمى ترفع معدل الأيض واحتياجات الجسم من الطاقة، ما يجعل الحصول على تغذية كافية أمرًا مهمًا للتعافي.
ويضيف أن عدم تناول الطعام بكميات كافية قد يطيل فترة التعافي، وينصح من يعانون ضعف الشهية بتناول وجبات صغيرة ومتكررة بدلًا من إجبار أنفسهم على تناول وجبات كبيرة، ومن جانبه، يشير ناثان ديفيز، أستاذ الكيمياء الحيوية في جامعة كوليدج لندن، إلى أن الجهاز المناعي يحتاج إلى الطاقة لمقاومة العدوى، ويقدّر مولانغوري أن استهلاك الطاقة قد يرتفع بنحو 10 إلى 13% مع كل ارتفاع بمقدار درجة مئوية واحدة في حرارة الجسم.
فعلى سبيل المثال، قد يحتاج شخص يستهلك نحو 1500 سعرة حرارية يوميًا أثناء الراحة إلى 150–200 سعرة إضافية إذا ظلت درجة حرارته أعلى من الطبيعي بنحو درجة مئوية واحدة طوال اليوم.
ومع ذلك، لا تعني هذه الزيادة أن كل مصاب بنزلة برد يحتاج إلى تناول سعرات حرارية إضافية؛ فالنزلة البسيطة التي لا تصاحبها حمى ملحوظة قد لا ترفع الاحتياجات بشكل كبير، كما أن انخفاض النشاط البدني أثناء المرض قد يعوض جزءًا من الزيادة في استهلاك الطاقة.
هل يساعد حساء الدجاج والزنجبيل والبروكلي؟
قد تبدو بعض الأطعمة، مثل حساء الدجاج والزنجبيل الطازج والبروكلي، خيارات مناسبة أثناء المرض، لكن الأدلة العلمية المتاحة لا تكفي للجزم بأنها تعالج العدوى الفيروسية لدى البشر، ويوضح تريغونينغ أن بعض الدراسات أظهرت تأثيرات إيجابية لهذه الأطعمة أو لمركبات موجودة فيها، لكنها أُجريت في المختبر أو على الحيوانات، ولذلك لا يمكن تعميم نتائجها مباشرة على الإنسان.
كما أظهرت تجارب على الفئران المصابة بكوفيد-19 أن النظام الغذائي الكيتوني، الذي يحتوي على نسبة منخفضة من الكربوهيدرات ومرتفعة من الدهون، أو إضافة الأجسام الكيتونية إلى الماء، قد يعزز وظيفة بعض الخلايا المناعية. لكن هذه النتائج لا تثبت أن اتباع هذا النظام مناسب للأشخاص المصابين بالإنفلونزا أو نزلات البرد.
في المقابل، يؤكد مولانغوري أهمية الكربوهيدرات بوصفها مصدرًا للطاقة التي يحتاج إليها الجهاز المناعي، إلى جانب البروتين الضروري لإنتاج الأجسام المضادة التي تساعد على مقاومة العدوى.
شرب السوائل ضروري لتجنب الجفاف
يُعد الحفاظ على ترطيب الجسم من أهم الخطوات أثناء الإصابة بالحمى، إذ يفقد الجسم المزيد من السوائل نتيجة التعرق، كما يزداد فقدانها مع إنتاج المخاط، ويوضح الخبراء أن زيادة المخاط في الجهاز التنفسي قد تؤثر في كفاءة تبادل الأكسجين، وقد يضطر الجسم إلى زيادة سرعة التنفس للحفاظ على إمداد الأنسجة بالأكسجين، وهو ما يساهم أيضًا في فقدان السوائل.
لذلك، فإن القاعدة الأهم أثناء الإصابة بنزلات البرد أو الإنفلونزا ليست تجويع الجسم، بل الحصول على طعام متوازن يوفر الطاقة والبروتين، وتناول وجبات صغيرة عند ضعف الشهية، وشرب كميات كافية من السوائل، مع منح الجسم الوقت اللازم للتعافي.