يعمل قلب الإنسان ليلًا ونهارًا، حتى أثناء النوم، ليحافظ على تدفق الدم إلى المخ والرئتين وبقية أعضاء الجسم، ورغم أن حجمه يقارب حجم قبضة اليد، فإنه يجمع بين ثلاثة أنظمة أساسية تعمل بتناغم مستمر: إشارات كهربائية تنظم ضرباته، وشرايين تمد عضلته بالأكسجين، وعضلة قوية تنقبض وتنبسط لدفع الدم في أنحاء الجسم.
ووفقًا للمعهد الوطني الأمريكي للقلب والرئة والدم (NHLBI)، فإن القلب يتكون من أربع حجرات وصمامات وأجزاء عضلية متخصصة، بينما يتحكم نظامه الكهربائي في معدل النبض وإيقاعه، بما يسمح له بضخ كمية الدم التي يحتاجها الجسم.
اقرأ أيضًا: بتفتح عينك على الموبايل أول ما تصحى.. كيف يتأثر دماغك سلبا
أولًا: الكهرباء التي تشغّل القلب.. من أين تبدأ النبضة؟
قد يبدو غريبًا أن القلب يعتمد على إشارات كهربائية حتى ينبض، لكن هذه الإشارات هي التي تنظم انقباض عضلته وتضمن أن تعمل حجراته بترتيب مناسب.
وتبدأ الإشارة الكهربائية الطبيعية عادة من مجموعة من الخلايا المتخصصة في الأذين الأيمن، تُعرف باسم العقدة الجيبية الأذينية (SA node)، وهي بمثابة منظم ضربات القلب الطبيعي.
بعد ذلك، تنتشر الإشارة عبر الأذينين، فينقبضان ويدفعان الدم إلى البطينين. ثم تصل الإشارة إلى العقدة الأذينية البطينية (AV node)، حيث تتباطأ قليلًا، بما يمنح البطينين وقتًا لاستكمال امتلائهما بالدم.
وتنتقل الإشارة بعد ذلك عبر حزمة هِس وفروعها وألياف بوركنجي، لتصل إلى عضلة البطينين وتدفعهما إلى الانقباض وضخ الدم إلى الرئتين وبقية الجسم.
ووفقًا لجمعية القلب الأمريكية، فإن أي خلل في تكوين الإشارات الكهربائية أو انتقالها قد يؤدي إلى اضطرابات في نظم القلب، مثل تسارع ضرباته أو عدم انتظامها، وهي حالات تختلف في أسبابها وشدتها وطرق علاجها.
ثانيًا: الشرايين التاجية.. شبكة الإمداد التي تغذي القلب نفسه
رغم أن القلب يضخ الدم إلى جميع أعضاء الجسم، فإنه يحتاج هو الآخر إلى إمداد مستمر بالدم الغني بالأكسجين حتى تستطيع عضلته العمل.
وهنا يأتي دور الشرايين التاجية، وهي أوعية دموية تنشأ من بداية الشريان الأورطي، وتحمل الدم والأكسجين والمواد الغذائية إلى عضلة القلب.
وتشمل الشرايين التاجية الرئيسية الشريان التاجي الأيمن والشريان التاجي الأيسر وفروعهما، التي توزع الدم على مناطق مختلفة من عضلة القلب.
لكن ماذا يحدث إذا ضاقت هذه الشرايين؟
يوضح موقع MedlinePlus التابع للمكتبة الوطنية الأمريكية للطب أن مرض الشريان التاجي يحدث غالبًا نتيجة تراكم اللويحات الدهنية داخل جدران الشرايين، ما يؤدي إلى تضييقها وتقليل تدفق الدم إلى عضلة القلب.
وقد يتسبب ذلك في الشعور بألم أو ضغط في الصدر، خاصة مع المجهود، فيما قد يؤدي الانسداد الحاد لأحد الشرايين إلى حدوث نوبة قلبية، تستلزم تدخلًا طبيًا عاجلًا.
وتكمن أهمية هذه الشرايين في أن سلامة عضلة القلب تعتمد على وصول الأكسجين إليها باستمرار، فحتى العضلة القوية لا تستطيع أداء وظيفتها بصورة طبيعية إذا انخفض إمدادها بالدم.
ثالثًا: عضلة القلب.. مضخة تعمل بانقباض وانبساط متواصلين
تُعرف الطبقة العضلية الرئيسية للقلب باسم عضلة القلب (Myocardium)، وهي نسيج متخصص يتميز بقدرته على الانقباض بصورة إيقاعية ومتكررة طوال الحياة.
ويتكون القلب من أربع حجرات: أذين أيمن وأذين أيسر في الجزء العلوي، وبطين أيمن وبطين أيسر في الجزء السفلي. وتعمل الصمامات الأربعة على توجيه الدم في مساره الصحيح ومنع رجوعه إلى الخلف.
وتبدأ رحلة الدم عندما يعود الدم منخفض الأكسجين من أنسجة الجسم إلى الأذين الأيمن، ثم ينتقل إلى البطين الأيمن الذي يضخه إلى الرئتين للتخلص من ثاني أكسيد الكربون والحصول على الأكسجين.
وبعد ذلك، يعود الدم الغني بالأكسجين إلى الأذين الأيسر، ثم ينتقل إلى البطين الأيسر، الذي يضخه بقوة عبر الشريان الأورطي إلى جميع أنحاء الجسم.
ويحتاج البطين الأيسر إلى توليد ضغط مرتفع نسبيًا حتى يستطيع دفع الدم إلى الأعضاء البعيدة، ولذلك تكون جدرانه العضلية أكثر سُمكًا من جدران البطين الأيمن.
ووفقًا للمعهد الوطني الأمريكي للقلب والرئة والدم، فإن حركة الانقباض والانبساط المتناسقة بين حجرات القلب وصماماته هي ما يسمح باستمرار الدورة الدموية بكفاءة.
ماذا يحدث عندما يختل التناغم بين الكهرباء والشرايين والعضلة؟
تعتمد كفاءة القلب على عمل أنظمته المختلفة معًا، فقد يؤدي اضطراب الإشارات الكهربائية إلى خلل في النبض، بينما يمكن أن يؤدي نقص تدفق الدم عبر الشرايين التاجية إلى تلف عضلة القلب، وقد تضعف قدرة العضلة على ضخ الدم في حالات مثل اعتلال عضلة القلب أو قصور القلب.
ولهذا لا يقتصر تقييم صحة القلب على قياس النبض فقط؛ فقد يحتاج الطبيب، وفقًا للأعراض والحالة الصحية، إلى تخطيط كهربائي للقلب، أو تصوير بالموجات فوق الصوتية لتقييم العضلة والصمامات، أو فحوص أخرى للكشف عن مشكلات الشرايين.
كيف تحافظ على صحة قلبك؟
تساعد مجموعة من العادات اليومية في تقليل مخاطر أمراض القلب، من بينها ممارسة النشاط البدني بانتظام وفقًا للقدرة الصحية، وتناول غذاء متوازن، والامتناع عن التدخين، ومتابعة ضغط الدم والكوليسترول وسكر الدم، إلى جانب الالتزام بعلاج الأمراض المزمنة.
وفي النهاية، فإن القلب ليس مجرد عضلة تضخ الدم، بل منظومة متكاملة تجمع بين الكهرباء والأوعية الدموية والأنسجة العضلية. واستمرار عمل هذه الأنظمة بتناغم هو ما يسمح بوصول الأكسجين والمواد الغذائية إلى كل خلية في الجسم، ضربة بعد ضربة.