تحدث المخرج يسري نصر الله عن رحلته مع السينما وبدايات شغفه بالإخراج، كاشفًا عن الأسباب التي دفعته إلى تأجيل تقديم أول أفلامه حتى تجاوز الثلاثين من عمره، مؤكدًا أن صناعة الفيلم لا تعتمد فقط على المعرفة التقنية، بل تحتاج إلى تجارب حياتية تمنح المخرج القدرة على فهم الشخصيات والعوالم التي يقدمها على الشاشة.

جاء ذلك خلال جلسة حوارية بعنوان "سينما الابتكار"، بدأت فعالياتها منذ قليل ضمن أنشطة الدورة التاسعة من مهرجان الجونة السينمائي، بحضور عدد من الفنانين وصناع السينما، من بينهم يسرا، والكاتبة الصحفية والناقدة الفنية علا الشافعي رئيس مجلس إدارة اليوم السابع، والصحفي علي الكشوطي، رئيس قسم الفن باليوم السابع، وركين سعد، ومي الغيطي، وجهاد حسام الدين، وفدوى عابد، وسلوى محمد علي، وجيسيكا حسام الدين، وسارة عبد الرحمن، وداليا شوقي ووالدتها.

اقرأ أيضًا: يسرى نصر الله يكشف مفاجأة عن فيلمه الجديد: أصور أجزاء كبيرة منه بالموبايل

يسري نصر الله: عرفت أنني أريد الإخراج منذ الطفولة

استعاد يسري نصر الله ذكريات بداياته مع السينما، موضحًا أن رغبته في أن يصبح مخرجًا بدأت منذ طفولته، بعدما شاهد أحد الأفلام وتساءل عن الشخص الذي يقف وراء صناعته بعيدًا عن الممثلين، مشيراً إلى أنه سأل والده آنذاك عن الشخص المسئول عن صناعة الفيلم، وعندما أخبره بوجود مخرج، أدرك أنه يريد أن يعمل في هذا المجال، رغم أنه لم يقدم فيلمه الأول إلا بعدما تجاوز الثلاثين من عمره.

وأوضح أن تأخره في خوض التجربة لم يكن بسبب نقص المعرفة التقنية أو عدم امتلاكه الأدوات اللازمة، وإنما لاعتقاده أن المخرج يحتاج إلى المرور بتجارب حياتية مختلفة حتى يصبح قادرًا على تقديم فيلم يحمل رؤية حقيقية.

تجربة معهد السينما لم تكن كافية لصناعة أفلامه

وتطرق المخرج إلى تجربته في دراسة السينما، مشيرًا إلى أنه لم يجد نفسه في الطريقة التي كان يُنظر بها إلى صناعة الأفلام خلال تلك المرحلة، إذ لم يكن مقتنعًا بأن السينما يمكن اختزالها في مجرد صناعة لقطات جيدة من الناحية الفنية.

وضرب مثالًا بحوار دار بينه وبين أحد أصدقائه بشأن ابنه الذي أراد دراسة السينما في سن مبكرة، موضحًا أنه تواصل مع مدير مدرسة السينما في برلين آنذاك، راينهارد هارت، ليسأله عن إمكانية التحاق الشاب بالدراسة، لكن الرد جاء بأن عليه أن يخوض تجارب الحياة أولًا قبل دخول معهد السينما.

وأشار يسري نصر الله إلى أن هذه الفكرة تتفق مع رؤيته الشخصية، موضحًا أن أهمية اللقطة لا تنبع من جمالها وحده، بل من علاقتها بالحكاية والمشاعر والتجربة الإنسانية التي يعبر عنها الفيلم، مضيفا أن هذا الاختلاف في الرؤية دفعه إلى ترك معهد السينما والعودة إلى الحياة بكل تفاصيلها، لكنه أدرك لاحقًا أن هذه الخطوة وحدها لم تكن كافية لتشكيل تجربته الفنية.

أربع سنوات في بيروت غيرت رؤيته للحياة والسينما

وكشف يسري نصر الله أن تجربته في بيروت كانت من أكثر المحطات تأثيرًا في حياته، مؤكدًا أنها تركت بصمتها على معظم أفلامه، بعدما عاش لمدة أربع سنوات بعيدًا عن كل ما اعتاد عليه في محيطه الاجتماعي والثقافي.

وأوضح أن الابتعاد عن البيئة المألوفة، والأسرة، والأشخاص الذين يتشاركون معه الأفكار السياسية نفسها، وضعه أمام عالم مختلف تمامًا، ودفعه إلى إعادة النظر في مفاهيم كثيرة كان يتعامل معها باعتبارها ثوابت.

وأضاف أن هذه التجربة جعلته يدرك أن الإنسان لا يمتلك مكانه بصورة دائمة، وأن الظروف قد تتغير في أي لحظة، فيجد نفسه مضطرًا إلى مواجهة فقدان المكان الذي اعتاد الانتماء إليه.

المكان والشخصيات.. منطلق الحكايات في أفلام يسري نصر الله

وأكد المخرج أن فكرة المكان تمثل أحد المحاور الأساسية في أفلامه، إلى جانب الشخصيات التي تعيش داخله، وطبيعة علاقتها به، وكيفية تعاملها مع احتمالات فقدانه أو محاولة استعادته.

وأوضح أن اهتمامه لا يتوقف عند تحديد المكان الذي تدور فيه الأحداث، وإنما يمتد إلى التساؤل عمن يعيشون فيه، وما الذي يفعلونه داخله، وكيف يحاولون خلق عالم خاص بهم عندما يفقدون الشعور بالانتماء أو الأمان.

وأشار إلى أن هذين العنصرين، المكان والشخصيات، يمثلان نقطة انطلاق أساسية في كتابة السيناريوهات التي يقدمها، مؤكدًا أن التجارب الإنسانية الحقيقية هي ما يمنح الحكايات السينمائية عمقها وقدرتها على التعبير عن البشر وتحولاتهم.