لا تقتصر فوائد ممارسة الرياضة على تحسين اللياقة البدنية أو المساعدة في إنقاص الوزن، بل تمتد إلى دعم قدرة الجسم على تنظيم مستوى السكر في الدم، خاصة لدى المصابين بداء السكري من النوع الثاني. وبينما تفيد الحركة في أي وقت من اليوم، تشير بعض الأبحاث إلى أن ممارسة التمارين بعد الظهر أو في المساء قد ترتبط بتحسن أكبر في التحكم في مستويات السكر، مقارنة بالتمرين في الصباح.

وفقًا لتقرير نشره موقع «Health»، فإن توقيت النشاط البدني وعلاقته بمواعيد الوجبات والتغيرات الطبيعية في الهرمونات قد يؤثران في استجابة الجسم للتمرين. ومع ذلك، لا تزال هناك حاجة إلى دراسات طويلة الأمد لتحديد أفضل توقيت بصورة قاطعة، ويظل الانتظام في النشاط البدني أهم من الالتزام بساعة محددة لا تناسب ظروف الشخص.

اقرأ أيضًا: أسعار فورد فوكس موديل 2014 المستعملة في مصر

لماذا قد تساعد الرياضة المسائية على خفض سكر الدم؟

أشارت مراجعة بحثية تناولها التقرير إلى أن ممارسة الرياضة بعد الظهر أو في المساء قد ترتبط بتحسن التحكم في مستوى السكر لدى المصابين بالسكري من النوع الثاني، إلى جانب تحسين حساسية الجسم للأنسولين، وهو الهرمون الذي يساعد الخلايا على استخدام الجلوكوز الموجود في الدم.

كما تناول التقرير دراسة أُجريت عام 2019 على رجال مصابين بالسكري من النوع الثاني، مارسوا التدريب المتقطع عالي الكثافة لمدة أسبوعين. وظهرت تحسنات في مستويات السكر لدى المجموعة التي تدربت بعد الظهر، بينما سجلت المجموعة التي مارست التمرين صباحًا استجابة مختلفة.

لكن هذه النتائج لا تعني أن التمرين الصباحي غير مفيد، أو أن المساء هو الوقت الأفضل للجميع؛ إذ تختلف استجابة الجسم باختلاف نوع التمرين وشدته والحالة الصحية ومواعيد تناول الطعام والأدوية المستخدمة.

هرمون الكورتيزول وعلاقته بمستوى السكر

من التفسيرات المحتملة لاختلاف استجابة الجسم للتمرين على مدار اليوم التغير الطبيعي في مستوى هرمون الكورتيزول، الذي يشارك في تنظيم استجابة الجسم للتوتر ويساعد على تنظيم عمليات الأيض.

يرتفع الكورتيزول عادة في الساعات الأولى من الصباح، ويسهم في تهيئة الجسم للاستيقاظ والنشاط، وقد يؤثر أيضًا في تنظيم الجلوكوز. ويشير التقرير إلى أن هذه التغيرات الهرمونية قد تكون أحد العوامل التي تفسر اختلاف استجابة سكر الدم للتمارين الصباحية مقارنة بالتمارين المسائية.

ومع ذلك، لا يمكن اعتبار الكورتيزول السبب المؤكد وراء اختلاف النتائج؛ فما زالت هناك حاجة إلى مزيد من الأبحاث لفهم العلاقة بين توقيت التمرين والهرمونات ومستويات السكر بصورة أدق.

ممارسة الرياضة بعد الوجبات قد تحد من ارتفاع السكر

يرتبط توقيت التمرين أيضًا بمواعيد تناول الطعام. فبعد الوجبات، ترتفع مستويات الجلوكوز في الدم نتيجة هضم الكربوهيدرات وامتصاصها، ويمكن للنشاط البدني أن يساعد العضلات على استخدام هذا الجلوكوز للحصول على الطاقة.

ولهذا السبب، قد يساعد المشي أو أداء نشاط بدني خفيف بعد تناول الطعام على الحد من ارتفاع السكر لدى بعض الأشخاص. أما التمارين الصباحية التي تُمارس قبل الإفطار، فقد تختلف استجابة الجسم لها مقارنة بالنشاط الذي يأتي بعد الوجبات.

ولا يعني ذلك ضرورة ممارسة تمرينات شديدة بعد الأكل؛ إذ يمكن أن يكون المشي الهادئ خيارًا مناسبًا لكثير من الأشخاص، مع مراعاة الحالة الصحية وتعليمات الطبيب، خاصة لمن يتناولون أدوية قد تسبب انخفاض سكر الدم.

كيف تؤثر الرياضة على سكر الدم على المدى القصير؟

تستخدم العضلات الجلوكوز للحصول على الطاقة أثناء الحركة، كما تساعد التمارين على تحسين حساسية الجسم للأنسولين، بما يدعم انتقال السكر من الدم إلى الخلايا.

وقد يستمر تأثير النشاط البدني في تحسين استخدام الجسم للجلوكوز لساعات بعد انتهاء التمرين، وأحيانًا لمدة تصل إلى 24 ساعة، بحسب نوع النشاط ومدته وشدته وعوامل أخرى.

لكن استجابة السكر لا تكون متطابقة في جميع الحالات؛ فبعض التمارين الشديدة، مثل رفع الأوزان الثقيلة أو العدو السريع، قد تؤدي إلى ارتفاع مؤقت في سكر الدم نتيجة إفراز هرمونات تساعد الجسم على مواجهة المجهود. ولا يعني هذا الارتفاع بالضرورة أن التمرين غير مفيد، لكن من المهم متابعة مستوى السكر وفهم استجابة الجسم للنشاط البدني.

فوائد الانتظام في الرياضة للتحكم في السكري

يساعد الالتزام بالنشاط البدني على دعم السيطرة على السكر بمرور الوقت، ومن أبرز فوائده:

تحسين حساسية الأنسولين: يجعل النشاط البدني الخلايا أكثر استجابة للأنسولين، ما يساعد الجسم على استخدام الجلوكوز بصورة أفضل.

خفض السكر التراكمي: قد تسهم ممارسة الرياضة بانتظام في تحسين مستوى الهيموجلوبين السكري (HbA1c)، وهو تحليل يعكس متوسط مستويات السكر في الدم خلال نحو شهرين إلى ثلاثة أشهر.

دعم قوة العضلات: تستخدم العضلات الجلوكوز أثناء النشاط البدني، وقد يساعد بناء القوة العضلية والحفاظ عليها في تحسين تنظيم السكر.

المساعدة في إدارة الوزن: يمكن أن يدعم النشاط البدني التحكم في الوزن، وهو عامل قد يسهم في تحسين إدارة السكري من النوع الثاني لدى بعض الأشخاص.

ما مقدار الرياضة الموصى به لمرضى السكري؟

يوصي التقرير، استنادًا إلى إرشادات الجمعية الأمريكية للسكري، بممارسة ما لا يقل عن 150 دقيقة أسبوعيًا من النشاط البدني متوسط الشدة للأشخاص المصابين بالسكري، مع توزيع النشاط على أيام الأسبوع قدر الإمكان، وتجنب مرور أكثر من يومين متتاليين دون نشاط إذا سمحت الحالة الصحية.

ويمكن تحقيق ذلك من خلال مجموعة من الأنشطة، منها:

- التمارين الهوائية: مثل المشي السريع وركوب الدراجة والسباحة، وهي أنشطة تدعم صحة القلب وتساعد العضلات على استخدام الطاقة.
- تمارين المقاومة: مثل رفع الأوزان المناسبة أو استخدام أربطة المقاومة، للمساعدة في تقوية العضلات وتحسين الاستجابة للأنسولين.
- تمارين المرونة والتوازن: مثل بعض تمارين التمدد واليوجا والتاي تشي، التي قد تدعم الحركة والتوازن وجودة الحياة.

وإذا كان الشخص قليل النشاط، فمن الأفضل البدء بمدة قصيرة وشدة منخفضة، ثم زيادة الوقت والمجهود تدريجيًا وفقًا لقدراته وتوجيهات الطبيب.

احتياطات مهمة قبل ممارسة الرياضة مع السكري

تحتاج التمارين لدى المصابين بالسكري إلى بعض الاحتياطات، خاصة عند استخدام الأنسولين أو أدوية قد تؤدي إلى انخفاض مستوى السكر في الدم. لذلك، يُنصح بمراجعة الطبيب قبل بدء برنامج رياضي جديد أو إجراء تغييرات كبيرة في شدة التمرين.

ومن المهم أيضًا مراقبة مستوى السكر وفقًا للخطة العلاجية، والانتباه إلى الأعراض التي قد تشير إلى انخفاضه، مثل الارتعاش والدوخة والتعرق غير المعتاد والتشوش. وفي حال ظهور هذه الأعراض، ينبغي التوقف عن التمرين والتعامل معها وفق خطة علاج انخفاض السكر التي حددها الفريق الطبي.

كذلك، قد لا يكون التمرين آمنًا في بعض الحالات التي يكون فيها السكر منخفضًا جدًا أو مرتفعًا بدرجة كبيرة، خصوصًا إذا صاحبه شعور بالتعب أو أعراض غير معتادة. ولا توجد قاعدة واحدة تناسب جميع المرضى بشأن الأرقام التي تسمح بممارسة الرياضة؛ إذ تعتمد القرارات على مستوى السكر والأدوية والحالة الصحية العامة.