بعد ستة أسابيع من مفاوضات شاقة، تمكن اتفاق هدنة غزة بين إسرائيل وحركة حماس من الصمود رغم التوترات الناجمة عن تبادل الأسرى والمحتجزين، والاتهامات المتبادلة بخرق الاتفاق، ورغم المقترح المثير للجدل الذى طرحه الرئيس الأمريكى، دونالد ترامب، ويقضى بترحيل الفلسطينيين من القطاع ووضعه تحت سيطرة أمريكية.
وقالت صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية، إن هذه الهدنة الهشة تدخل الآن مرحلة أكثر خطورة مع اقتراب انتهاء المرحلة الأولى من الاتفاق، التى استمرت ٤٢ يومًا وتنتهى بعد غد السبت. ورغم الجهود المكثفة التى تبذلها الإدارة الأمريكية بقيادة «ترامب» ودول عربية وسيطة للوصول إلى اتفاق يمهّد للمرحلة الثانية من وقف إطلاق النار، لا تزال الفجوة واسعة بين إسرائيل وحماس. وتتمثل المرحلة الثانية فى إطلاق سراح جميع المحتجزين الإسرائيليين الأحياء، الذين تحتجزهم «حماس»، وانسحاب الجيش الإسرائيلى من غزة، ووضع حد دائم للحرب.
ورأت الصحيفة أن المعضلة الرئيسية التى تعرقل الاتفاق تتمحور حول السؤال التالى: هل يمكن إقناع حماس أو الضغط عليها لتسليم سلاحها ومغادرة غزة، كما يشترط رئيس وزراء الاحتلال، بنيامين نتنياهو لإنهاء الحرب؟ أو أن الأخير قد يكون مستعدًا لتقديم تنازلات، حتى لو كلّفه ذلك ثمنًا سياسيًا باهظًا؟
ويرى المحللون أن نتنياهو وقيادة حماس يواجهون ضغوطًا سياسية متعارضة، ما يجعل التوصل إلى اتفاق للمرحلة الثانية أكثر تعقيدًا من المرحلة الأولى، ويجعل استئناف الحرب احتمالًا قائمًا فى أى لحظة.
ومنذ بداية الحرب، وضع «نتنياهو» نصب عينيه القضاء على «حماس»، حيث أعلن مرارًا أن هدفه الرئيسى هو «إبادة» الحركة، ولكن أى قرار بإنهاء الحرب قبل نزع سلاحها سيضعه فى مواجهة مباشرة مع حلفائه من اليمين المتطرف، وعلى رأسهم وزير المالية، بتسلئيل سموتريتش، الذى توعّد بإسقاط الحكومة فى حال لم يتم القضاء على «حماس» بالكامل، سياسيًا وعسكريًا.
وفى الأسابيع المقبلة، سيكون «نتنياهو» بحاجة ماسة إلى دعم «سموتريتش» لتمرير الميزانية قبل ٣١ مارس، وإلا فإنه سيواجه خطر انهيار حكومته وإجراء انتخابات مبكرة، وهو ما يسعى لتجنبه بأى ثمن.
وفى الوقت الذى يضغط فيه المبعوث الأمريكى الخاص، ستيف ويتكوف، للدخول فى المرحلة الثانية من الهدنة، أعلن الأحد الماضى عن أن البيت الأبيض سيسعى لتمديد المرحلة الأولى من الاتفاق، ويعكس هذا التوجه تراجع الآمال فى تحقيق اختراق سريع نحو المرحلة الثانية وإنهاء الحرب.
وأشار المحلل السياسى ديفيد ماكوفسكى، المستشار السابق فى وزارة الخارجية الأمريكية، إلى أن خيار تمديد المرحلة الأولى قد يكون الحل الوحيد المتاح حاليًا، متسائلًا: «إلى متى يمكن تمديدها؟ نتنياهو مقتنع بأن القوة هى الوسيلة الوحيدة للتعامل مع حماس، لكن حساباته السياسية تلعب دورًا أيضًا، خاصة مع تهديدات سموتريتش بإسقاط الحكومة».
وأضاف: «إذا اضطر نتنياهو إلى الاختيار بين المرحلة الثانية من الهدنة أو استئناف الحرب، فأعتقد أنهم سيعودون إلى الحرب».
وفى الأسابيع الأخيرة، بدا واضحًا أن اليمين المتطرف الإسرائيلى يفرض نفوذه داخل حكومة «نتنياهو». فبعد أيام فقط من تمرير اتفاق هدنة غزة فى يناير الماضى، أعلن «سموتريتش» عبر منصة «X» عن أنه ضغط على «نتنياهو» لتوسيع العمليات العسكرية فى الضفة الغربية لتكون جزءًا من أهداف الحرب. ونفذ الجيش الإسرائيلى فى ٢١ يناير أكبر عملية عسكرية فى الضفة الغربية منذ سنوات، حيث أرسل كتائب مشاة إلى جنين وطولكرم وطوباس، ونفّذ غارات جوية، وجرف منازل وممتلكات، ما أدى إلى تهجير نحو ٤٠ ألف فلسطينى، وفقًا لمنظمات إنسانية.
وفى ظل هذه التطورات، أبدى بعض المسئولين الأمنيين الإسرائيليين اعتراضهم على أى محاولة لإعادة احتلال غزة، معتبرين أن إسرائيل استنفدت معظم أهدافها العسكرية بعد ١٥ شهرًا من القصف، ومع ذلك، فإن الجيش الإسرائيلى أعدّ خططًا لتجديد الحرب بشراسة، مع التركيز على منع وصول المساعدات الإنسانية إلى القطاع.
0 تعليق