تركي آل الشيخ.. إقرار بفشله الرياضي ومخاوف من دوره الترفيهي

  • منذ 9 أشهر
حجم الخط

بعد عام و3 أشهر فقط، أُسدل الستار رسمياً على حقبة تركي آل الشيخ في رئاسة الهيئة العامة للرياضة السعودية، عرف خلالها الوطن العربي من المحيط إلى الخليج سلسلة من النكسات والأزمات الطاحنة؛ بسبب سلوكه “الفج” في التعامل مع مختلف القضايا السعودية والعربية، وفق مراقبين.

وكان “آل الشيخ” قد ترأس الهيئة العامة للرياضة السعودية، في السادس من سبتمبر 2017، بعد يوم من تأهّل المنتخب السعودي لكرة القدم لنهائيات كأس العالم 2018، ليتصدّر المشهد على حساب “صاحب الإنجاز الفعلي”، محمد بن عبد الملك آل الشيخ، الذي أُعفي آنذاك بشكل مفاجئ ودون سابق إنذار.

وتُعدّ الهيئة العامة للرياضة الجهة المسؤولة عن جميع الأنشطة الرياضية في المملكة العربية السعودية، وبسبب ذلك المنصب استحوذ آل الشيخ على مناصب رياضية أخرى؛ على غرار رئاسة اللجنة الأولمبية السعودية، إضافة إلى تزعّمه الاتحاد العربي لكرة القدم، والاتحاد الرياضي للتضامن الإسلامي، دون تجاهل منصبه مستشاراً في الديوان الملكي السعودي.

ورغم إقالته من هيئة الرياضة، في اعترف ضمني بفشله في تسويق كل ما روّجه عبر أذرعه الإعلامية محلياً وخارجياً، عيّنه الملك سلمان رئيساً لهيئة الترفيه، وسط تنامي مخاوف المواطنين من انتشار “المشاهد الدخيلة على المجتمع السعودي وتغريبه”، في ظل سيرته المثيرة للجدل وسلوكه “غير المنضبط”.

– فشل ذريع

وعرفت فترة رئاسته لهيئة الرياضة فشلاً ذريعاً بكل ما تحمله الكلمة من معنى؛ حيث أهدر مئات الملايين من الدولارات على مشاريع محلية فاشلة، كما بدا وكأنه رئيس لكل الأندية؛ يتدخّل فيها كيفما يشاء دون حسيب أو رقيب، على حدّ وصف نشطاء.

ودخل المسؤول السعودي، الذي انتقل بأمر ملكي أيضاً لرئاسة هيئة الترفيه، في صراعات مع الأندية المحلية، وحاول تعيين رجاله في أرفع المناصب؛ بغية بسط هيمنته الكاملة على القرار الرياضي السعودي، رغم الأصوات التي تعالت بضرورة إيقاف “العبث بالمشهد الرياضي” في السعودية.

وخلال حقبته خرجت عشرات الوسوم التي تربّعت على عرش “الأكثر تداولاً في المملكة”، عبّر من خلالها السعوديون عن انزعاجهم الشديد من الحال الذي وصلت إليه مختلف الألعاب والرياضات في عهد “آل الشيخ”، علاوة على تنامي “التعصّب” الجماهيري، واتخاذه سلسلة قرارات “أضرّت” بالمناخ الرياضي.

وأبدى هؤلاء ضيقهم وتذمّرهم بشكل يفوق الوصف؛ بسبب تدخّل آل الشيخ في كل شاردة وواردة تتعلّق بالرياضة السعودية؛ من خلال قرارات وإعفاءات باتت تصدر بشكل شبه يومي، وتوصف بأنها “عبثية” و”غير مدروسة”.

وفي كل مرة وصف السعوديون حال الرياضة السعودية بـ”المؤسف” و”المزري” و”التعيس”، وحمّلوا آل الشيخ مسؤولية ما وصلت إليه من انحدار وإسفاف وإهدار طائل للأموال على الصفقات الجديدة التي أبرمتها الأندية في سوق الانتقالات الصيفية المنصرمة.

– قرارات “عبثية”

آل الشيخ لم يكن له أي دور في تأهل السعودية لمونديال روسيا؛ لأن تعيينه جاء في اليوم الموالي لتأهل “الأخضر”؛ لكنه لم يستغلّ ذلك، بل وقَّع على فشل ذريع بعد خروج المنتخب الأول من دور المجموعات بخسارتين، وفوز “هامشي” على حساب المصريين بعد تأكد الإقصاء.

وتلقّت السعودية هزيمة مُذلّة في افتتاح النسخة المونديالية الأخيرة بخماسية نظيفة على يد “الدب الروسي”، على مرأى ومسمع محمد بن سلمان، ثم تلتها خسارة ثانية أمام الأوروغواي، ليحزم المنتخب الخليجي حقائبه ويعود إلى الرياض مبكّراً، حيث وُجّهت أصابع الاتهام إليه بهذا الإخفاق؛ بسبب إقالته للهولندي بيرت فان مارفيك، الذي أوصل “الأخضر” لكأس العالم، ثم تعاقد مع الأرجنتيني إدغاردو باوزا، ليقيله بعد شهرين فقط، ويعيّن مواطنه خوان أنطونيو بيتزي.

كذلك اتخذ قراراً غير مدروس أثر بشكل سلبي على الكرة السعودية ومنتخبها الأول؛ إذ أرسل كبار نجوم الدوري السعودي إلى إسبانيا من أجل اللعب مع أندية متوسّطة في الدرجتين الأولى والثانية، لكنهم لم يشاركوا سوى دقائق معدودة، ما أفقدهم النسق وأبعدهم عن “المستطيل الأخضر” وحساسيته.

ولكونه يتمتّع بصلاحيات مطلقة، حوّل آل الشيخ جميع الأندية السعودية إلى “نادٍ واحد برئاسته”، كما يقول سعوديون، فضلاً عن جلب فعاليات رياضية “غريبة ودخيلة على المجتمع السعودي”؛ إذ وقع عقداً حصرياً باستضافة البلاد عروض المصارعة الحرة وما تتضمّنها من مشاهد عنف وعري، لـ10 سنوات كاملة.

– أزمات خارجية

وبسبب الأموال الطائلة التي توفّرت بيديه، اتهمته الجماهير العربية بمحاولة فرض هيمنته وسيطرته على المشهد الرياضي في الوطن العربي من المحيط إلى الخليج؛ إذ ثارت الجماهير المصرية غضباً من “آل الشيخ” بعدما اشترى نادياً مغموراً يُدعى “الأسيوطي سبورت”، وغيّر اسمه إلى “بيراميدز”، وعزّز صفوفه بلاعبين محليين وأجانب مقابل مبالغ مالية طائلة، فضلاً عن إطلاقه قناة رياضية تضمّ أبرز وجوه الإعلام الرياضي في مصر، في مسعى حثيث لبسط نفوذه كاملاً على الكرة المصرية.

كما دخل في خلافات وقضايا في أروقة المحاكم مع إدارة النادي الأهلي المصري، التي عيّنته رئيساً شرفياً، قبل أن تُقيله لاتهامه بمحاولة السيطرة على العملاق القاهري، كما دخل في حرب مفتوحة مع جماهير فريق “القلعة الحمراء”، التي لم ترحمه، وهتفت ضده بشكل قاسٍ وعنيف.

ولم تكن مصر الدولة الوحيدة؛ إذ ثارت جماهير قطر والكويت والمغرب وتونس غضباً، وأظهرت استياءً عارماً بسبب تصريحاته المثيرة للجدل، والتي خرجت عن حدّها الدبلوماسي؛ حين وصف وزير الشباب الكويتي خالد الروضان بـ”المرتزق”، إضافة إلى وصفه أبرز وجوه الإعلام الرياضي التونسي بأنهم “خونة” و”حشرات”.

كما دأب على وصف قطر، التي أصبحت أول دولة “خليجية” و”عربية” و”شرق أوسطية” تستضيف نهائيات كأس العالم، بـ”الدويلة”، على حد تعبيره، كما وصف المغرب بأنها “قبلة للباحثين عن المتعة الجنسية”، علاوة على تصويته لصالح الملف الأمريكي الثلاثي المشترك على حساب الرباط فيما يتعلّق بتنظيم مونديال عام 2026، في سابقة هي الأولى من نوعها بين الدول العربية.

– هيئة الترفيه؟

ورغم إزاحة المسؤول السعودي من المشهد الرياضي؛ فإنه باقٍ بشكل أو بآخر بعد تعيينه رئيساً لهيئة الترفيه، في ظل ما يُعرف عن الرجل بأن “شاعر ومؤلف أغانٍ لكبار الفنانين”، فضلاً عن سلوكه “غير المنضبط “و”المتحرّش”، كما بدا واضحاً من خلال تغريداته عبر حسابه الرسمي، قبل تعيينه رئيساً لهيئة الرياضة.

وتأسست الهيئة العامة للترفيه عام 2016، تماشياً مع رؤية “المملكة 2030″؛ لتعمل على تنظيم وتنمية قطاع الترفيه لجميع شرائح المجتمع في كل مناطق السعودية.

وتستهدف “رؤية 2030” رفع مساهمة قطاع الترفيه في إجمالي الناتج المحلي من 3% إلى 6%؛ بناءً على تصريحات سابقة لولي العهد السعودي، الذي قال إن بلاده تستهدف توطين 50% من قطاع الترفيه، إذ يُنفق المواطنون 22 مليار دولار على الترفيه في الخارج سنوياً.

وبالنظر إلى سيرته المثيرة للجدل، يبدو أن آل الشيخ هو أفضل من ينفّذ سياسة “السعودية الجديدة”، التي تعيش “عصر انفتاح” بعد اعتلاء الملك سلمان بن عبد العزيز العرش، في يناير 2015؛ ومن ثم “صعود” ابنه محمد إلى ولاية العهد، حيث دخل المجتمع -كما يرى كثيرون- في أتون تحوّل خطير وسريع، تجاوز ما كانت تعتبره الدولة من المحرّمات الدينية والاجتماعية، وبدأ بإنشاء الهيئة العامة للترفيه، التي من أهمّ أهدافها تغيير ثقافة المجتمع بحجة مشاركة الأوقات الممتعة، كما يعاقَب كل من يعترض على ذلك.

وشهدت المملكة، في الفترة الأخيرة، سلسلة قرارات بالتخلّي عن عدد من القوانين والأعراف الاجتماعية التي اعتمدتها البلاد على مدار عقود؛ أبرزها السماح للنساء بقيادة السيارة، ودخولهن ملاعب كرة القدم، ورعاية هيئة الترفيه الحفلات والمهرجانات الغنائية، مع تقييد دور هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.